فخر الدين الرازي
431
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قلنا : الجواب من وجهين : الأول : ان الاستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار . والثاني : لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال ، وحصول الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة . المسألة الثانية : قوله : بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل الزائد . المسألة الثالثة : الآية تدل على أن استبشارهم بسعادة إخوانهم أتم من استبشارهم بسعادة أنفسهم ، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الاخوان ، وهذا ، تنبيه من اللّه تعالى على أن فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقيه ، يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه . ثم قال : وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي وإن الله بكسر الألف على الاستئناف . وقرأ الباقون بفتحها على معنى : وبأن اللّه ، والتقدير : يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل وبأن اللّه لا يضيع أجر المؤمنين والقراءة الأولى أتم وأكمل لأن على هذه القراءة يكون الاستبشار بفضل اللّه وبرحمته فقط ، وعلى القراءة الثانية يكون الاستبشار بالفضل والرحمة وطلب الأجر ، ولا شك أن المقام الأول أكمل لأن كون العبد مشتغلا بطلب اللّه أتم من اشتغاله بطلب أجر عمله . المسألة الثانية : المقصود من الآية بيان أن الذي تقدم من إيصال الثواب والسرور العظيم إلى الشهداء ليس حكما مخصوصا بهم ، بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب ، فان اللّه سبحانه يوصل اليه ذلك الأجر والثواب ولا يضيعه البتة . المسألة الثالثة : الآية عندنا دالة على العفو عن فساق أهل الصلاة لأنه بإيمانه استحق الجنة / فلو بقي بسبب فسقه في النار مؤبداً مخلداً لما وصل اليه أجر إيمانه ، فحينئذ يضيع أجر المؤمنين على إيمانهم وذلك خلاف الآية . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 172 ] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) [ في قوله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ] اعلم أن اللّه تعالى مدح المؤمنين على غزوتين ، تعرف إحداهما بغزوة حمراء الأسد ، والثانية بغزوة بدر الصغرى ، وكلاهما متصلة بغزوة أحد ، أما غزوة حمراء الأسد فهي المراد من هذه الآية على ما سنذكره ان شاء اللّه تعالى ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في محل الَّذِينَ وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنه رفع بالابتداء وخبره لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ إلى آخر هذه الآية . الثاني : أن يكون محله هو الخفض على النعت للمؤمنين الثالث : أن يكون نصباً على المدح . المسألة الثانية : في سبب نزول هذه الآية قولان : الأول : وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا ، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة ، فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان